الذهاب إلى القائمة الذهاب إلى النص

عام جديد بطعم الكيمشي:

#الخواطر والتآملات l 2019-02-12

سيول بانوراما

ⓒ Getty Images Bank

العام القمري التقليدي الجديد الذي احتفلت به كوريا قبل عدة أيام ارتبط في ذهني دائما بطبق الكيمشي، فخلال أول احتفال  من ذلك النوع حضرته في كوريا قبل سنوات عديدة، كنت مع صديقين كوريين بصدد تناول طعام الغداء في فندق كوري ، واتفقنا على  طلب أطباق من  المكرونة الإيطالية "اسباغيتي". دخل رجل كوري المطعم ووجد صديقا ينتظره وتحدثا باللغة الكورية، ووجدت صديقي يضحكان.  ولما شاهدا ملامح الفضول على  وجهي ، قالا إنهما يضحكان لأن الصديق هنأ صديقه بالعام الجديد وقال له " أتمنى لك عاما سعيدا بطعم الكيمشي وقالا إن كيمشي  هو طبق لا تخلو منه أي وجبة غداء أو عشاء كورية، وعشق كوري تاريخي قديم. سألتهم إن كان من الممكن أن نطلب ذلك الطبق في مثل هذا الفندق وفعلا تم تقديم الطبق لنا على وجه السرعة. استسغته من أول لحظة تذوقته فيها وصار الكيمشي منذ لك اليوم أحد أطباقي المفضلة وزبونا دائما في منزلي وعشقته وعشقه كذلك كل أفراد أسرتي.

 الكوريون على اختلاف توجهاتهم الغذائية يعشقون الكيمشي   بشكل أقرب للوله والتقديس، فهو من الأطباق الثابتة والأساسية في كل موائد الكوريين، الغني والفقير منهم ، ذكورهم وإناثهم ، صغيرهم وكبيرهم، وهو لذلك جزء لا يتجزأ من التراث والثقافة والتاريخ الكوري. ورغم وجوده الدائم والجوهري في كل وجبة كورية  فهو طبق جانبي وعادة ما  يكون ضمن مكونات الكثير جدا من الأطباق الكورية الرئيسية الأخرى إلا أنه لا يكون بمفرده هو الطبق الرئيسي الوحيد في المائدة رغم أن طبقه شهي ومشبع وغني بمكوناته إذ يتكوّن من عدة مواد نباتية وبحرية من خضروات وأعشاب وغلال وحبوب وصلصات وتوابل وبهارات متنوعة وذلك بحكم التربية والثقافة الغذائية الكورية التي تعتبره كنوع من المقبّلات الفاتحة للشهية ومجرد طبق جانبي يكون بمثابة جوهر المائدة ووقودها ومحركها .

ورغم الحروب والنزاعات العسكرية والتهديدات الأمنية والخلافات السياسية والاختلافات العقائدية والفكرية والأيدولوجية والأطماع والمصالح الخارجية، وما  وعكسه ذلك على شبه الجزيرة الكورية من انقسام بين الأشقاء  وتباين سياسي وفكري وثقافي بين الشعبين والنظامين في كل من كوريا الجنوبية والشمالية وتبدلات في أساليب وتقاليد ونوعيات وأشكال وطرق الحياة الاجتماعية بين البلدين، إلا أن حب وتمجيد وتقديس الكيمشي ظلّ دائما هو أبرز العوامل المشتركة بين الكوريين والشيء الرئيسي الذي  يجمع شماليهم وجنوبيهم .

وجاء في تقرير مصور تداولته بعض  وسائل الإعلام مؤخرا بخصوص التحولات الأخيرة في المواقف الكورية الشمالية والتي أدت إلى انعقاد عدة قمم كورية/كورية وكورية شمالية أمريكية وما تلاها من توافقات على المضي قدما في تفكيك البرامج النووية والصاروخية الكورية الشمالية والعمل على إقامة  نظام سلام دائم في شبه الجزيرة، إن كوريا الشمالية ربما فطنت لأن مصلحتها الحقيقية تكمن في البدء في عملية انفتاح وإصلاح اقتصادي وتنموي واسع،  وشرعت تنظر بجدية في دراسات جدوى وبحوث خاصة بالعديد من المشروعات الاقتصادية التنموية، ورأت أن من الأفضل والأجدى البدء في تنفيذ مشروعات سهلة وصغيرة ومؤثرة على الواقع الاجتماعي وتمس حياة الشعب الكوري الشمالي بشكل مباشر، ومن بينها مشروعات تعاونية خفيفة خاصة بتصنيع أشياء ذات شعبية طاغية في الكوريتين من منتجات متعلقة بالترفيه والتسلية والمزاج والأذواق والفنون والرياضة والملبوسات والمشروبات الروحية والمنتجات الغذائية وعلى رأسها الكيمشي محبوب الملايين في الكوريتين الذي يمكن أن يكون مادة مفيدة في إرساء قاعدة التعاون والوفاق المشترك باعتبار أن المعدة ربما تكون أقصر الطرق وصولا للقلب كما في المثل الشائع بعدة لغات عالمية. وأيضا للإسهام في مساعي تسريع الجهود المبذولة لترويج ذلك الطبق الشعبي المحبوب على المستوى العالمي العريض .

والكيمشي بدأ يسير بخطى حثيثة للتحول لطبق عالمي مطلوب، وهو منذ عام 2015 صار ضمن قائمة اليونسكو الخاصة بالكنوز التراثية والثقافية العالمية. وحسب استطلاعات متعددة لآراء الكثيرين من الزوار الأجانب لكوريا، وبناء على التجربة الشخصية الخاصة  لجميع أفراد أسرتي، فإن علاقة الأجانب بالكيمشي كثيرا ما تبدأ بحالة نفور أو تحاشي بسبب رائحته النفاذة ، غير أنها علاقة عادة ما تتطور بسرعة لعلاقة حب وربما عشق وإدمان في بعض الحالات. وأنتهز فرصة بدء العام التقليدي القمري الجديد في كوريا باسترجاع، تلك الحادثة التي أشرت إليها، متمنيا لكل أفراد الشعب الكوري عاما قمريا جديدا بكل عامرا بالخير والوفرة والصحة وسعيدا وشهيا وبمذاق وطعم الكيمشي اللذيذ.

موضوعات بارزة