الذهاب إلى القائمة الذهاب إلى النص

خطة كوريا لتطوير القطاع السياحي

#قضية اقتصادية l 2019-04-08

أضواء على الاقتصاد

© YONHAP News

بلغ حجم الإنفاق العالمي على السياحة في عام 2017 في مختلف أرجاء العالم 1.34 تريليون دولار. وقد صارت السياحة ثالث أكبر قطاع تصدير في العالم بعد الوقود والمواد الكيميائية، وهي تمثل حوالي 10% من إجمالي الناتج المحلي العالمي. وفي هذا السياق، قررت الحكومة الكورية مؤخرا رسم استراتيجية جديدة لجذب السياح الأجانب. عن هذا الموضوع يحدثنا اليوم الخبير السياحي البروفسور "لي هون" من جامعة "هان يانغ".


عقد الرئيس "مون جيه إين" اجتماعا حول تعزيز السياحة الوطنية يوم الثامن من أبريل الجاري لمناقشة كيفية زيادة حجم السياحة العالمية إلى كوريا، وتعزير السياحة المحلية الداخلية من أجل تحريك وإنعاش الاقتصاد. وقد شارك في الاجتماع خبراء ومتخصصون في السياحة، واتفقوا على ضرورة زيادة عدد السياح القادمين لكوريا إلى 23 مليون سائح بحلول عام 2022، وخلق حوالي 960 ألف وظيفة جديدة في قطاع السياحة في كوريا والمجالات المتصلة به. وتعد هذه هي المرة الأولى التي يحضر فيها الرئيس مون الاجتماع السنوي الخاصة بالسياحة، وهو ما يشير إلى أن الحكومة الكورية صارت أكثر اهتماما بالقطاع السياحي وتعزيزه من خلال تطوير استراتيجية جديدة فعالة وعملية وطويلة المدى.


وفي هذا الإطار، وجه الرئيس "مون" أوامره بتسهيل إجراءات الحصول على التأشيرات السياحية وتخصيص مدن ومناطق جديدة كمعالم سياحية جاذبة، وتشجيع الشركات الصغيرة والمبتدئة التي تعمل في مجال السياحة.


البروفسور "لي" :

الاستراتيجية السياحية الجديدة ترتكز على ثلاثة محاور. المحور الأول: هو تسهيل إجراءات الحصول على تأشيرات الدخول اللازمة، خاصة للسياح القادمين من الصين وفيتنام والفلبين والهند وإندونيسيا. والمحور الثاني: هو تطوير بعض المدن الكورية المحلية لتصبح مراكز ومحاور جذب سياحي، مع توسيع البرامج السياحية لتشمل محتويات ثقافية وتراثية وفنية، مثل الموسيقى والكي بوب. وفي هذا الإطار سيتم تطوير منطقة "ديه هاك نو 대학로" لتصبح بمثابة الصيغة الكورية لضاحية "برودواي Broadway" في نيويورك. أما المحور الثالث والأخير فيتعلق بزيادة الدعم الحكومي المادي لصناعة السياحة بشكل يماثل بقية القطاعات الصناعية الأخرى، وذلك من خلال دعم المشروعات السياحية التجارية بما يعادل 180 مليون دولار سنويا.


تقول التقارير الرسمية إن 78% من إجمالي عدد السائحين الذين يزرون كوريا يقصرون تحركاتهم على العاصمة سيول وحدها، أما بقية المناطق فيما عدا سيول وجزيرة جيجو وميناء بوسان، فيزورونها بنسبة 10% فقط. وربما كان ذلك بسبب اعتقاد بعض السائحين بأنه لا توجد معالم سياحية تستحق الزيارة في كوريا بخلاف سيول وجيجو وبوسان. ولتصحيح هذا الأمر، ستعمل الحكومة على تطوير بعض المدن الرئيسية لتصبح مناطق جذب سياحي على مستوى عالمي. 


البروفسور "لي" :

القطاع السياحي الكوري تطور بشكل كبير مؤخرا من حيث الحجم على الأقل. فعدد السياح المحليين ظل في حالة تزايد مستمر ومتسارع خلال الأعوام الخمسة الأخيرة. وعدد الوافدين من الخارج هو كذلك في حالة زيادة بنسبة لا تقل عن 10% سنويا. حركة السياحة في كوريا تعرضت مؤخرا لبعض المشاكل لأسباب سياسية، من بينها الإجراءات الانتقامية الصينية بسبب موافقة كوريا على نشر نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي "ثاد" والذي اعتبرته بكين عملا يستهدف أمنها، ومنها النزاع الدبلوماسي بين كوريا واليابان الذي يتجدد بين الحين والآخر. الواقع أن الكثير من دول العالم صارت في حالة تنافس شرس لاجتذاب السياح من الخارج، وهو ما يحتم على كوريا السعي الجاد من أجل تعزيز قدراتها التنافسية في هذا المجال. المساعي الكورية في هذه الناحية لا بأس بها، لكنها بحاجة للمزيد من الجهود والأفكار.


في التقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2017، جاءت كوريا في المرتبة الـ19 من بين 136 دولة حول العالم، وذلك فيما يتعلق بالسفر والقدرة التنافسية السياحية، حيث ارتفعت بمقدار 10 درجات مقارنة مع عام 2015. ويرجع ذلك إلى زيادة درجة الاهتمام العالمي بثقافة السفر والسياحة بشكل عام، وبالتطور الذي شهدته كوريا في مجال الفنون والثقافة والأمن وتحسن الخدمات. لكن من ناحية أخرى، فإن ارتفاع الأسعار والرسوم ونسب العمولات الكبيرة التي تطلبها الشركات المتخصصة في تنظيم الأفواج السياحية وتدني نوعية بعض الخدمات التي تقدمها تلك الشركات، هي من بين الأشياء التي تنعكس سلبا على بطء تطور القطاع السياحي الكوري. ويرى البعض أن الاهتمام الحكومي بمعالجة هذه السلبيات كان دون المستوى المطلوب مقارنة مع الدول المنافسة.


البروفسور "لي" :

ظلت اليابان تقدم دعما ملحوظا لقطاعها السياحي منذ عام 2000 في تحرك استراتيجي نشط من أجل الإسهام في معالجة الركود الاقتصادي الذي ظلت تعاني منه خلال السنوات الأخيرة. فقد وضعت اليابان خطة خمسية محكمة للتصدي لتلك المشكلة من خلال تصحيحها بشكل مستمر وثابت وعلى أسس دورية محددة. السياحة هناك تمثل 7.4% من إجمالي الناتج المحلي، و6.9% في معدل العمالة. من جانبها، مضت كوريا هي الأخرى في هذا الاتجاه منذ عام 2017 حيث أعلنت أيضا عن خطة خمسية لكن بدون جهة قومية محددة لمتابعة التعامل معها كما تفعل اليابان. الأكثر من ذلك أن الحكومة قررت إلغاء وظيفة رئاسية كانت مخصصة للإشراف على الصناعة السياحية والسياسات الخاصة بها. وقد سجلت كوريا كما أشرنا قفزة في عام 2017 لتصبح في المركز العالمي الـ19، غير أنها ما زالت في المركز الـ87 من حيث الإنفاق الحكومي السنوي في المجال السياحي، والـ44 من حيث أولوية القطاع السياحي، وهو أمر يحتاج للمراجعة.


في الواقع، يمكن لكوريا أن تتلقى دروسا من اليابان فيما يتعلق بالاهتمام بالاستراتيجية السياحية. ففي عام 2013 أعلن رئيس الوزراء الياباني عن عزمه تطوير بلاده لتصبح منطقة جذب سياحي عالمية. وبدأ بالفعل في اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لذلك، من ناحية تأشيرات الدخول والمتاجر والأسواق الحرة وغيرها، وهو ما ساعد اليابان على تحقيق فائض في ميزانها السياحي في عام 2014.  


البروفسور "لي" :

كوريا بلد جذاب يتمتع بانتشار ثقافته فيما صار يعرف باسم الموجة الكورية "هاليو"، بما في ذلك الكي بوب والأفلام والمسلسلات والأزياء ومستحضرات التجميل، وكلها تجد رواجا وإقبالا عالميا متزايدا. القصور الملكية في سيول أماكن يمكن أن تكون معالم جذب سياحي كبير بما فيها من عمران قديم وأبنية جميلة ولديها قدرة على اجتذاب السائحين الكوريين المحليين والأجانب بنفس القدر. كما يوجد في كوريا فنانون تراثيون مبدعون في مجالات عديدة وهم بحاجة للمزيد من الاهتمام والدعم الحكومي حتى ينطلقوا في ممارسة أنشطة تسهم في تعزيز العائد السياحي للبلاد. وأطالب الحكومة بعقد المزيد من الاجتماعات الدورية لتصبح على مستوى رئاسي. ومن المطلوب كذلك زيادة الميزانية المحددة بشكل فعال خاصة فيما يتعلق بالبحوث والتطوير والموارد البشرية.


قال معهد التنمية الكوري في تقرير أصدره مؤخرا إن تقوية صناعة خدمية واحدة يمكن أن يرفع معدل نمو الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 1%، مع خلق 150 ألف فرصة عمل جديدة. وأشار التقرير إلى أن عدد السياح الأجانب الذين زاروا كوريا قبل 12 عاما بلغ حوالي 6 ملايين، ثم ارتفع إلى 15 مليونا في عام 2018، وهو ما يؤكد القدرات الكامنة لكوريا في المجال السياحي.

موضوعات بارزة