الذهاب إلى القائمة الذهاب إلى النص

الثقافية

دبلوماسية الموسيقى:

#الخواطر والتآملات l 2018-12-18

سيول بانوراما

ⓒ Getty Images Bank

الموسيقى ليست مجرد فن رائع ومحبوب في كل أنحاء العالم فحسب ـ وليس مجرد طرب وغناء وإيقاعات راقصة وحالمة وإنما يمكن لها عند الحاجة واللزوم أن تكون أداة دبلوماسية مؤثرة وسلاح قوي   وفعال  للتقارب بين الشعوب  وتذويب الخلافات وحل العديد من المشاكل المستفحلة، وهناك العديد من الأمثلة والنماذج والتجارب التي ثبت وتحقق فيها ذلك.  وتسعى الموسيقى الكورية مؤخرا للعب مثل ذلك الدور ولعب دور إيجابي ومؤثر في تحويل ما ظلت تشهده شبه الجزيرة الكورية من توتر وشدّ، إلى تناغم وتآلف وألحان وأنغام موسيقية حالمة وبديعة، وأن يدندن صوت الموسيقى بدلا عن أزيز أصوات الصواريخ الباليستية والعابرة للقارات والتهديدات والتفجيرات النووية.

والانفراج النسبي المبشر والواعد الذي ظلت تشهده  شبه الجزيرة الكورية مؤخرا وأدى إلى انعقاد ثلاثة قمم كورية مشتركة ناجحة خلال بضعة أشهر فقط، وقمة كورية شمالية أمريكية هي الأولى من نوعها في التاريخ، بدأ كله بمناسبة موسيقية أطربت الملايين وأسهمت في تهدئة ما كان سائدا من توتر في شبه الجزيرة وأنعشت الآمال بوفاق وتعاون وربما سلام كوري مشترك قادم وربما في وقت ليس بالبعيد. تمثلت تلك البداية في مشاركة الأوركسترا الموسيقية الكورية الشمالية المعروفة باسم Samjiy في تقديم وصلات موسيقية حية وساخنة على هامش فعاليات دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي نظمتها كوريا الجنوبية في بيونغشامغ في فبراير الماضي والتي أسهمت كثيرا في تذويب الثلوج التي كانت تفصل بين البلدين وتدفئة العلاقات الكورية المشتركة الباردة والفاترة وأشاعت فيها جوا من الحرارة.

وبعدها بشهرين وفي إبريل من العام الجاري ردت كوريا الجنوبية التحية بأحسن منها عندما قام وفد من الفرق الموسيقية والفنانين الكوريين الجنوبية بزيارة الشمال وتقديم حفلات بديعة تحت اسم وشعار " مقدم الربيع "لاقت تجاوبا واستحسانا هائلا في وسط الجمهور الكوري الشمالي وبحضور الزعيم الشمالي كيم جونغون نفسه والذي وعد بأن ترد كوريا الشمالية على تلك اللفتة العظيمة بلفتة مماثلة من خلال جولة فنية لفرق موسيقية كورية شمالية في العاصمة سيول وبعض المدن الرئيسية في البلاد تحت اسم "مقدم الخريف" والتي لم تتم لبعض الأسباب ولكن من المتوقع أن تتم قريبا تحت اسم " مقدم الشتاء" حسب توقعات البعض.

يرى فنانون وموسيقيون ومثقفون ومبدعون من البلدين إن التبادل الموسيقي وكل أشكال التبادلات الثقافية والفنية والرياضية والشعبية يمكن أن تلعب دورا مهما في تقريب الشقة وردم الحاجز النفسي الثقافي بين شعبيّ طرفيّ شبه الجزيرة الكورية بسبب  التراكمات التي خلفها التباين الفكري العقائدي والتباعد السياسي والاختلاف في الأمزجة رغم التاريخ المشترك ووشائج الدم والعرق واللغة. يقول الملحن والموسيقار الكوري الجنوبي المعروف  Kim Seong guk والذي يقود الأوركسترا الكورية القومية إن الموسيقى الكورية التقليدية الشعبية الأصيلة والعريقة هي أوثق رباط يجمع بين الكوريتين وإنه يعكف على تنظيم سلسلة حفلات موسيقية في هذا الشأن تحت اسم وشعار " جيل جديد .. أريرانغ جديد" بهدف تعزيز وتسريع وتيرة التعاون الموسيقي الكوري المشترك في مجال الموسيقى التقليدية والشعبية، وذلك من خلال تقديم العديد من الأغاني الشعبية والتقليدية الكورية الشمالية للجمهور الكوري الجنوبي من خلال توزيع موسيقي جديد مستعينا بأحدث ما تم تطويره من آليات وتقنيات مع الحفاظ التام على الأصل والمحتد. 

يرى فنانون آخرون إن التعاون الكوري المشترك في مجال الموسيقى التقليدية سيساعد كذلك في إحياء التراث الموسيقي التقليدي العظيم والمحافظة عليه بعد بدأت ملامح ذلك التراث العظيم  في التغيير في كوريا الجنوبية  بسبب تأثر وانغماس الكثير من الشباب بفنون البوب والروك الغربية والأمريكية بالذات بشكل صار يهدد وقد يؤدي الى اندثار ذلك التراث بكل ما فيه من روعة وعظمة وإبداع.

هكذا فإن الموسيقى كوسيلة جمالية إبداعية يمكن أن تتحول إلى وسيلة دبلوماسية للسلام والوفاق الكوري المشترك، وأداة المحافظة على التراث والتاريخ والثقافة الكورية التي تعتبر من بين أبدع وأروع الفنون في العالم، وسلاح  فاعل وشامل يُسكت ويصد تهديدات الأسلحة النووية والصاروخية وكل أسلحة الدمار الشامل. 

موضوعات بارزة