الذهاب إلى القائمة الذهاب إلى النص

ⓒ Getty Images Bank 

قد يعتقد الكثيرون إن  كوريا، بسبب تركيزها الشديد على أعيادها ومناسباتها الدينية والقومية التقليدية الخاصة مثل عيد الجوسك وعيد بداية العام القمري وغيرها من المناسبات المرتبطة بتراثها البوذي الكونفوشي التقليدي القديم، والتي تنظم خلالها احتفالات ذات طقوس وشعائر تقليدية فريدة،  لا تكترث كثيرا للأعياد والمناسبات العالمية الأخرى من كريسماس ورأس سنة ميلادية وهلم جرا. ربما كان ذلك صحيحا حتى الماضي القريب، غير أن الأمر تغير كثيرا ، فإن كوريا التي صارت لاعبا عالميا مؤثر، أصبحت، بحكم العوامل التي تحكم ذاك الوجود، حريصة على أن تكون جزءا لا يتجزأ من النسيج العالمي. لهذا فق صارت احتفالات كوريا بمناسبات وأعياد مثل عيد الميلاد المجيد ورأس العام الميلادي هي من بين أكثر الاحتفالات العالمية تميزا تماهيا مع التغيير الكبير الذي اعترى نسيجها الاجتماعي. ربما لا يعرف الكثيرون إن كوريا  صارت كوريا لآن دولة ذات وجود مسيحي محسوس وبها أكبر كنيسة في العالم وهي كنيسة يوييدو ونسبة عدد الكنائس مقارنة بعدد السكان هي أيضا من بين النسب الأكبر في العالم، والمسيحية بشقيها البروتستانتي والكاثوليكي هي أكبر المكونات الدينية السكانية في كوريا حيث يشكل المسيحيون نسبة  30% من عدد السكان تقريبا ثم البوذيون بنسبة حوالي 17% . وقد ظهر ذلك جليا في تلك الاحتفالات المتفردة والأنيقة التي احتفلت بها كوريا قبل أيام بعديد الميلاد المجيد، وبعدها بالعيد الميلادي الجديد. 

دعاني صديق كوري لحضور مناسبة احتفالية بمطلع العام الميلادي الجديد على الطريقة الكورية المختلفة عن الشكل الأوربي والغربي المعتاد. كان الاحتفال بمناسبة غروب شمس آخر يوم من العام في الحادي والثلاثين من شهر ديسمبر، ومشرق شمس أول يوم من العام الجديد في الفاتح من شهر يناير، ويتخيرون لذلك بقاعا ومناطق محددة يكون فيها مشهد مغرب الشمس ومشرقها في أجمل وأجلى وأوضح وأروع شكل ممكن، حيث يتجمع الألوف منذ اقتراب أوقات الغروب وهم في حالة ترقب وانتظار وتأمل للحظات التي تبدأ فيها الشمس في التلاشي والغياب، ويبدأ الظلام في ارخاء سدوله، ثم يمارسون بعض الطقوس الاحتفالية من مأكل ومشرب وسماع للموسيقى والغناء طوال الليل حتى يقترب موعد انبثاق الفجر، ليبدئوا في التجمع من جديد في انتظار لحظات مشرق العام الجديد الذي يستقبلونه بالتهليل والتعبير عن مشاعر الابتهاج والانشراح، ويحرص كل شخص على الإعراب عن أمانيه في العام الجديد ودعواته بأن يتحقق له ما يأمل فيه ويتمناه خلال العام الجديد. وأروع الأماكن لمشاهدة الغروب في أبهى تجلياته عادة ما تكون في السواحل الغربية، بينما تكون أجمل المناطق للاستمتاع بمنظر الشروق في أحلى صوره هي في المناطق الشرقية، لكن هناك بقاع قليلة يكون فيها جمال الغروب بمثل روعة الشروق وأقرب للوحة الطبيعية الساحرة الخلابة. وقد صارت تلك المناسبة الخاصة بالشروق والغروب هي مناسبة سياحية خاصة يأتي من أجلها عدد كبير من السياح من مختلف أنحاء العالم للمشاركة فيها وذلك عبر  قطار سكك حديدية سريع من النوع الذي يعرف باسم "الرصاصة" يربط بين العاصمة سول ومحطة السكك الحديدية في جونغدونغجين المشهورة بمشهد شروق شمسها الرومانتيكي البديع والذي يسافر آلاف السياح إلى هناك للاستمتاع بذلك الشروق البديع.  . كوريا صارت دولة مشهورة بروعة منظريّ شروق الشمس وغروبها في المواسم الخاصة بذلك وعلى رأسها موسم نهاية وبداية العام الميلادي، وهو ما جعل من الأمر ظاهرة سياحية مهمة وجذابة تشهد فيها كوريا العديد من المهرجانات المتخصصة وصار هناك تراث شعري وغنائي وفني متنوع لرصد ومتابعة تلك الظاهرة، وصارت تلك المناطقة مناطق مشهورة ومعروفة جرى فيها تصوير عدد من أنجح وأروع الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية.   وجرى خلال المناسبة التي حضرتها  ترتيل قصيدة ضوئية مموسقة وراقصة وبديعة ومترجمة للغة الإنجليزية تقول في مقطع منها :


   أجبني يا أيها الغروب الجميل ... لماذا تبدو غريبا غامضا مترددا... مرتعش الأصابع وكأنك قد فقدت قدرتك على الحلم.  ولماذا كل هذا الظلام وكل تلك العتمة التي طردت اسراب  الطيور المهاجرة.... لماذا لا تفسح الطريق لمشرق بهيج وشروق لامع ريان.. وصباحات منعشة الأنسام وأحلام شفافة... تهدأ معها الذكريات المسافرة. لا تغضب وأنت تغادرنا أيها الغروب الجميل فسيأتي بعدك شروق لا يقل جمالا. فما أبدع الغروب حين ينير ظلماته الشروق... وما أروع الشروق حين يلملم مصابيحه غروب. 

موضوعات بارزة