الذهاب إلى القائمة الذهاب إلى النص

أن تكون كورياً:

#الخواطر والتآملات l 2018-09-11

سيول بانوراما

ⓒ KBS

تعتبر كوريا الجنوبية الآن  من بين أكبر سبعة دول في العالم من حيث التطور التقني  الرقمي المعلوماتي، ورغم أن كوريا مثلها مثل غيرها من البلدان المتطورة من حيث انتشار شبكة الإنترنت  وكل شبكات التواصل الاجتماعي الإلكتروني السريع، ومن حيث صارت القراءة تقتصر عمليا على بضعة دقائق سريعة عبر الكومبيوتر المحمول أو الهاتف الذكي،  إلا أن هناك الآن من نذر عدة سنوات مما تبقى من عمره في كتابة مجلد تاريخي ضخم يتكون من خمسة كتب بعنوان Hanguk Saram Mandeulgi  أي" أن تكون كوريا" وهو البروفسور Hahm Jai-bong   رئيس معهد آسان للدراسات الخاصة بالسياسات  Asan Institute of Policy Studies 

وحسب ما جاء في مقدمة الجزء   الأول من مجلد  البروفسور "هاهن" الذي صدر قبل عدة أشهر فإن   دافعه لتأليف هذا المجلد التاريخي الضخم المتعدد الأجزاء جاء بهدف البحث الدقيق والعلمي عن حقيقة الهوية الكورية وتحليل الشخصية الكورية وتشريح ذاتية الشعب  الكوري،  وتطور كل ذلك عبر الحقب التاريخية المختلفة وما آل إليه أمر ذلك في عصرنا الراهن.

قال الكاتب والمؤرخ   والبرفسور المتخصص والذي عاش سنوات طويلة من عمره في الخارج حيث درس الفلسفة والتاريخ في جامعات أوربية وتحصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة جونس هوبكنز في الولايات المتحدة الأمريكية وجاب عدة بلدان وقارات في مختلف أنحاء العالم في مهام أكاديمية متعددة، إنه ككوري أحس بكثير من المرارة عندما اكتشف إن الكثيرين في مختلف أنحاء العالم وحتى المثقفين لا يعرفون شيئا يُذكر عن هوية وأصل الشعب الكوري، حيث كان الأمر مقتصرا في الماضي على الحرب الكورية والحرب الباردة التي أعقبتها والانقسام والتهديدات المتبادلة بين نظامين يقع أحدهما تحت السيطرة الشيوعية والهيمنة السوفيتية والصينيةـ ويدور الأخر في الفلك الأمريكي الغربي الرأسمالي.  ولم يختلف الأمر كثيرا في السنوات الأخيرة حيث صارت كوريا بالنسبة للكثيرين هي مجرد منتجات جيدة الصنع من سيارات وثلاجات وأجهزة إلكترونية وتقنية وكهربائية ومعلوماتية  متطورة من أجهزة كومبيوتر وهواتف نقالة وذكية وما إلى ذلك، غير أن الكثرين لا يعرفون حتى معلومات أولية بسيطة عن كوريا ما قبل الحرب الكورية.

ذكر إن التاريخ الكوري تاريخ ثري ومتنوع ومتشابك فيه الكثير جدا من الأطماع والحروب والمهددات الخارجية التي أفرزت شخصية كورية مختلفة بها الكثير من الإيجابيات ونقاط القوة والتماسك، وغير قليل من السلبيات ونقاط الضعف والاضطراب. ورأى أن العالم لن يعرف كوريا بالشكل المطلوب ما لم يعرفها أولا بنوها وأهلها، حتى يتعرف العالم من خلالهم على حقيقة الهوية والذاتية والشخصية الكورية التي تتفرد به كوريا، وهو ما يتناوله  المجلد الضخم بتفصيل ورصد موثق ليبقى مرجعا وموسوعة وثبتا تاريخيا للشباب من أفراد الأجيال الجديدة بالذات.

يتناول المجلد الضخم تاريخ الهوية الكورية من خلال خمسة مسارات. المسار الأول يتعلق بشكل كامل بفترة مملكة جوسون وما صحبها من نفوذ صيني اجتاح المملكة في كل جوانبها الحياتية من فلسفية وفكرية وسياسية واجتماعية وثقافية وأدبية، وتجلى ذلك باستشراء وانتشار الفكر والثقافة الكونفوشية في البلاد بشكل واسع، ويرى أن نجاح المملكة كان نتاجا طبيعيا لقدرتها في البداية على التكيّف مع المعايير العالمية السائدة، قبل أن تعود للانعزال في نهاية فترتها للانعزال وهو ما أدى بدوره لتقلص الهوية الكونفوشية في كوريا واستبدالها بهوية جديدة مختلفة. وبجانب ذلك التيار أفرد المؤلف كتابا لك من التيارات الأربعة الأخرى، وهي التيار الياباني الذي يراه البعض تيارا استعماريا قمعيا بين ما يراه البعض تيارا كان له تأثير تنويري على البلاد وتحديثها، وتيار أمريكي نجح في إحداث تغيير جذري شامل في كوريا الجنوبية وله يعود فضل صناعة المعجزة الاقتصادية على نهر الهان، وتيار سوفيتي شيوعي اجتاح الجزء الشمالي من البلاد وتسبب في ما تعانيه الآن من انعزال وفقر، وتيار قومي وطني متعصب ومنكفئ ومتوجس من كل ما هو أجنبي.

وفي نهاية مقدمته يقول الكاتب إن توصيف وتصنيف الهوية الكورية هو خليط من كل تلك المسارات الخمس بكل ما لها من إيجابيات وبكامل  ما عليها من سلبيات، وهو يرى إن الهوية التي نتجت عن الذهنية  الجنوبية المنفتحة هي ما ساعدت كوريا الدولة الصغيرة الواقعة في أقصى أقاصي شرق المعمورة في أن يصبح بلدا مؤثرا يلعب دورا فعالا في المجتمع الدولي الواسع والعريض، على عكس العقلية  الشمالية المنغلقة والمتهورة التي جعلت من كوريا الشمالية بلدا معزولا فقيرا مثقلا بالمشاكل ويرزح تحت وطأة عقوبات دولية رادعة.  

موضوعات بارزة